القاضي عبد الجبار الهمذاني
36
شرح الأصول الخمسة
النظر في طريق معرفة اللّه ليس مقصودا لذاته والأصل في ذلك ، أن النظر في طريق معرفة اللّه تعالى واجب . ثم ليس هو المقصود في نفسه ، وإنما المقصود منه المعرفة ، حتى لو أمكننا تحصيل المعرفة بدونه لكان لا معنى لإيجابه . مخالفة أصحاب المعارف ومن قال بالإلهام أو طبع المحل وقد خالفنا في ذلك أصحاب المعارف إلا أنهم افترقوا ، فمنهم من قال : إن المعارف كلها تحصل إلهاما وهؤلاء لا يوجبون النظر البتة ، ومنهم من قال : إن المعارف تحصل بطبع المحل عند النظر ، فيوجبون النظر إليه . ولكن لا على هذا الوجه الذي أوجبنا . فبقي الخلاف بيننا وبينهم . والأصل في هذا الباب أن يعلم أن وجوب كل نظر يندفع به الضرر عن نفسه مقرر في عقل كل عاقل ، ولا شبهة في ذلك وإنما يشتبه الحال في بعض الأنظار المفصلة هل هو بهذه الصفة أم لا ؟ . ثم إذا أردنا أن نعلم وجوب بعض الأنظار المفصلة التي هذا حالها ، نلحقه بالجملة المقررة في العقل ، وصار الحال فيه كالحال في العلم بقبح الظلم على الجملة ، والعلم بأن هذا بعينه ظلم ، فكما أنا عند هذين العلمين نختار منهما علما ثالثا بقبح الظلم المعين إلحاقا بالجملة المقررة في العقل ، كذلك هاهنا . إذا ثبت هذا ، ومعلوم أن النظر في طريق معرفة اللّه تعالى مما يندفع به الضرر عن النفس ، ثبت وجوبه . الضرر الذي يندفع بالنظر فإن قال : وما ذلك الضرر الذي يندفع عن النفس بالنظر في طريق معرفة اللّه تعالى ؟ قيل له : هو الضرر الذي يخاف المرء عند تركه النظر ، فإن المكلف إذا بلغ كمال العقل لا بدّ من أن يخاف من ترك النظر ضررا لسبب من الأسباب . فإن قال : وما أسباب الخوف ؟ قلنا : تختلف ، فربما يكون اختلاطة بالناس وسماع اختلافهم في الأديان وتضليل بعضهم بعضا ، وتكفير بعضهم بعضا ، وقول كل واحد منهم للآخر إن الحق في جانبي ، وإن ما أنت عليه باطل يؤدي إلى الهلاك ، فعند هذا يخاف العاقل إن لم ينظر ولم يتفكر أن يقع في ورطة ومهلكة ، وربما يكون سبب